تَنْبِيه: يُنْصَحُ بِقِرَاءَةِ الْأَبْوَابِ السِّتَّةِ الْأُولَى أَوَّلًا لِفَهْمِ الْمَفَاهِيمِ الْأَسَاسِيَّةِ لِرِحْلَةِ الرُّوحِ وَمَرَاتِبِ النُّورِ وَطَرِيقَةِ الْوُصُولِ وَمَرَاتِبِهِ وَعَوَائِقِ الْمَعْرِفَةِ وَدَوْرِ النَّبِيِّ وَالزَّهْرَاءِ فِي سُلَّمِ نُورِ الْمُتَّصِلِ.
"النُّورُ الَّذِي تَجْمَعُهُ فِي سُجُودِكَ لَيْسَ لِتَخْزِنَهُ فِي كَهْفِ بَاطِنِكَ،
بَلْ لِتَحْمِلَهُ إِلَى أَسْوَاقِ الدُّنْيَا؛
حَتَّى لَا يَحْتَاجَ التَّائِهُونَ إِلَى رُؤْيَةِ الشَّمْسِ لِيَعْرِفُوا طَرِيقَ الْعَوْدَةِ،
بَلْ يَكْفِيهِمْ رُؤْيَةُ السَّكِينَةِ فِي وَجْهِكَ."
الْمُقَدِّمَةُ
مَنِ اتَّصَلَ بِالنُّورِ، لَمْ يَعُدْ مَشْغُولًا بِانْتِظَارِ دَلِيلِ الطَّرِيقِ؛ خُطَاهُ نَفْسُهَا صَارَتْ هَادِيَةً لِمَنْ حَوْلَهُ.
١. حَقِيقَةُ الْمَهْدِيِّينَ: أَفْرَادٌ مُهْتَدُونَ
فِي سُلَّمِ نُورِ الْمُتَّصِلِ، لَيْسَ الْمَهْدِيُّونَ هُوِيَّةً سِيَاسِيَّةً أَوْ مَذْهَبًا أَوِ ادِّعَاءً حَصْرِيًّا، بَلْ هِيَ صِفَةٌ بَاطِنِيَّةٌ تَنْبُتُ مِنَ الِاتِّصَالِ الرُّوحَانِيِّ الْحَقِيقِيِّ. كَلِمَةُ "الْمَهْدِيِّينَ" نَفْسُهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْجَذْرِ هَدَى – يَهْدِي، وَهِيَ تَعْنِي الْهِدَايَةَ.
ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ
المصدر: سورة البقرة: ٢
إِذًا، الْمَهْدِيُّونَ هُمْ أُنَاسٌ تَتَحَرَّكُ حَيَاتُهُمْ بِالْهِدَايَةِ، لَا بِطُمُوحِ الْأَنَا أَوْ نَزَوَاتِ الْهَوَى. فِي سِيَاقِ سُلَّمِ نُورِ الْمُتَّصِلِ، هُمْ أَفْرَادٌ وَافَقَتْ تَرَدُّدَاتُ قُلُوبِهِمْ النُّورَ الْمُحَمَّدِيَّ ﷺ، فَلَمْ تَعُدِ الْحَيْرَةُ الْبَاطِنِيَّةُ تُوَجِّهُ مَسَارَ حَيَاتِهِمْ.
النَّاتِجُ الْأَسَاسِيُّ لِسُلَّمِ نُورِ الْمُتَّصِلِ هُوَ وِلَادَةُ إِنْسَانٍ مُتَّصِلٍ—إِنْسَانٍ مُرْتَبِطٍ. حِينَ يَسْتَقِرُّ الْقَلْبُ فِي "كَبْسُولَةِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ" وَيُحْفَظُ فِي "مَسَارِ الرَّحِمِ"، فَإِنَّهُ يَتَلَقَّى تَوْجِيهًا شَخْصِيًّا وَمُكَثَّفًا.
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ
المصدر: سورة محمد: ١٧
لَا يَعُودُ يَفْقِدُ الِاتِّجَاهَ، لِأَنَّ بَصِيرَتَهُ الدَّاخِلِيَّةَ تُحَرِّكُهَا التَّرْبِيَةُ النَّبَوِيَّةُ الْمُنْبَعِثَةُ مِنْ نُورِ النُّبُوَّةِ، لَا مِنْ وَسَاوِسِ الدُّنْيَا.
❖ ❖ ❖
٢. خَصَائِصُ الْمُجْتَمَعِ الْمَهْدِيِّ
حِينَ يَتَفَاعَلُ هَؤُلَاءِ الْأَفْرَادُ الْمُهْتَدُونَ، يَنْشَأُ نِظَامٌ بَاطِنِيٌّ جَمْعِيٌّ يُسَمَّى الْمُجْتَمَعَ الْمَهْدِيَّ. هَذَا لَيْسَ دَوْلَةً، وَلَا هَيْكَلًا رَسْمِيًّا، بَلْ رَابِطَةٌ رُوحَانِيَّةٌ قَائِمَةٌ عَلَى النُّورِ.
أ. الِاسْتِقْلَالِيَّةُ الرُّوحَانِيَّةُ
لَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى شَخْصِيَّاتٍ جَسَدِيَّةٍ بِإِفْرَاطٍ، لِأَنَّ لِكُلِّ فَرْدٍ وُصُولًا مُبَاشِرًا إِلَى نُورِ الْهِدَايَةِ عَبْرَ الْأَدَبِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَالذِّكْرِ.
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ
المصدر: سورة البقرة: ٢٥٧
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
المصدر: سورة الطلاق: ٣
يُؤَكِّدُ هَذَا أَنَّ الْمَهْدِيَّ يَشْعُرُ بِالِاكْتِفَاءِ بِاللَّهِ فَقَطْ، فَلَا يَكُونُ "مُتَسَوِّلًا لِلِاهْتِمَامِ" مِنَ الْخَلْقِ.
ب. الْقَائِمُ عَلَى الرَّحْمَةِ (الرَّحِيمِيَّةُ)
الْعَلَاقَاتُ بَيْنَ أَعْضَاءِ الْمُجْتَمَعِ الْمَهْدِيِّ تُبْنَى عَلَى رُؤْيَةِ الرَّحِمِ، لَا عَلَى مُنَافَسَةِ الْأَنَا. يَنْظُرُونَ إِلَى بَعْضِهِمْ كَإِخْوَةٍ فِي النُّورِ.
الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَٰنُ
المصدر: رواه الترمذي: ١٩٢٤
ج. الِاسْتِقَامَةُ
هُمْ ثَابِتُونَ فِي وَسَطِ تَقَلُّبَاتِ الزَّمَانِ، لِأَنَّ أَسَاسَ وَعْيِهِمْ مُتَرَسِّخٌ فِي اللَّهِ كَغَايَةٍ وَفِي الْأَرْضِ كَأَمَانَةٍ.
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا
المصدر: سورة فصلت: ٣٠
❖ ❖ ❖
٣. الِارْتِبَاطُ بِصَلَاةِ نُورِ الْمُتَّصِلِ
فِي سُلَّمِ نُورِ الْمُتَّصِلِ، الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ قِرَاءَةٍ لِسَانِيَّةٍ، بَلْ هِيَ وَسِيلَةٌ حَيَّةٌ—مَرْكَبَةٌ رُوحَانِيَّةٌ تَحْمِلُ السَّالِكَ إِلَى مَقَامِ الْمَهْدِيِّينَ.
إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
المصدر: سورة الأحزاب: ٥٦
عَبْرَ صَلَاةِ نُورِ الْمُتَّصِلِ:
- يَدْخُلُ الْفَرْدُ تَيَّارَ النُّورِ الَّذِي يُطَهِّرُ الْفِكْرَ مِنْ أَوْهَامِ الْبَاطِنِ وَظَوَاهِرِ النُّورِ الْمُضِلَّةِ، فَيَبْقَى عَقْلُهُ سَلِيمًا مُوَجَّهًا نَحْوَ اقْرَأْ (وَعْيِ قِرَاءَةِ آيَاتِ اللَّهِ).
- يَرْتَبِطُ الْمُجْتَمَعُ فِي تَرَدُّدَاتِ رَحْمَةٍ وَاحِدَةٍ، كَمَا هُوَ هَدَفُ رِسَالَةِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
المصدر: سورة الأنبياء: ١٠٧
٤. الِاسْتِقْلَالِيَّةُ الرُّوحِيَّةُ لِلْيَتِيمِ الرُّوحَانِيِّ
يُؤَكِّدُ سُلَّمُ نُورِ الْمُتَّصِلِ أَنَّ عَدَمَ وُجُودِ مُرْشِدٍ جَسَدِيٍّ لَا يَعْنِي عَدَمَ وُجُودِ الْهِدَايَةِ الْإِلَٰهِيَّةِ. كَثِيرٌ مِنَ السَّالِكِينَ يَشْعُرُونَ بِأَنَّهُمْ "أَيْتَامٌ رُوحَانِيًّا"، وَلَكِنْ هُنَا تَحْدِيدًا تَعْمَلُ التَّرْبِيَةُ النَّبَوِيَّةُ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ.
أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ
المصدر: سورة الضحى: ٦
هَذِهِ الْآيَةُ لَا تَقِفُ عِنْدَ قِصَّةِ النَّبِيِّ، بَلْ تَصِيرُ سُنَّةً لِوَارِثِي النُّورِ. السَّالِكُ الَّذِي يُسَلِّمُ نَفْسَهُ كُلِّيًّا لِلَّهِ سَيَرْعَاهُ بِحَقِيقَةِ النُّبُوَّةِ، فَيَخْرُجُ كَـ"وَلَدِ نُورٍ"، لَا كَوَلَدِ حَيْرَةٍ.
❖ ❖ ❖
٥. خَاتِمَةٌ: أَنْ يَصِيرَ الْإِنْسَانُ كَامِلًا
الْمُخْرَجُ النِّهَائِيُّ لِسُلَّمِ نُورِ الْمُتَّصِلِ هُوَ عَوْدَةُ الْإِنْسَانِ إِلَى فِطْرَتِهِ. يَصِيرُ شَخْصًا مُطْمَئِنًّا (نَفْسًا مُطْمَئِنَّةً)، وَمُجْتَمَعًا مُتَنَاغِمًا، وَعَبْدًا يَعْرِفُ رَبَّهُ بِذَوْقٍ صَادِقٍ وَإِلْهَامٍ نَقِيٍّ.
يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ﴿٢٧﴾ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ﴿٢٨﴾
المصدر: سورة الفجر: ٢٧-٢٨
هَذِهِ هِيَ حَقِيقَةُ نُورِ الْمُتَّصِلِ: نُورٌ يَتَّصِلُ بِلَا انْقِطَاعٍ، مِنْ مَنْبَعِ النُّبُوَّةِ إِلَى أَعْمَاقِ قُلُوبِ الْبَشَرِ، يُنْتِجُ مَهْدِيِّينَ يَسِيرُونَ فِي الْأَرْضِ كَرَحْمَةٍ حَيَّةٍ.
"مَنْ وَجَدَ النُّورَ فِي ذَاتِهِ، لَمْ تَعُدِ الدُّنْيَا سِجْنًا يَجِبُ أَنْ يَهْرُبَ مِنْهُ، بَلْ صَارَتْ حَدِيقَةَ رَحْمَةٍ يَجِبُ أَنْ يَعْتَنِيَ بِهَا بِخُطًى وَاضِحَةٍ."
❖ ❖ ❖
رَشْحَةُ الْبَابِ السَّابِعِ
(مُلَخَّصُ الْبَابِ السَّابِعِ)
لَيْسَ الْمَهْدِيُّونَ لَقَبًا سِيَاسِيًّا أَوِ ادِّعَاءً حَصْرِيًّا.
إِنَّهُمْ صِفَةٌ بَاطِنِيَّةٌ تَنْبُتُ مِنَ الِاتِّصَالِ الْحَقِيقِيِّ بِالنُّورِ.
أُنَاسٌ تَتَحَرَّكُ حَيَاتُهُمْ بِالْهِدَايَةِ، لَا بِطُمُوحِ الْأَنَا.
وَافَقَتْ تَرَدُّدَاتُ قُلُوبِهِمِ النُّورَ الْمُحَمَّدِيَّ ﷺ.
حِينَ يَسْتَقِرُّ الْقَلْبُ فِي كَبْسُولَةِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَيُحْفَظُ فِي مَسَارِ الرَّحِمِ،
يَتَلَقَّى تَوْجِيهًا شَخْصِيًّا مُكَثَّفًا مِنَ التَّرْبِيَةِ النَّبَوِيَّةِ.
بَصِيرَتُهُ الدَّاخِلِيَّةُ لَا تَتَرَنَّحُ، لِأَنَّ النُّورَ يُحَرِّكُهَا، لَا وَسَاوِسَ الدُّنْيَا.
يَنْشَأُ الْمُجْتَمَعُ الْمَهْدِيُّ مِنْ تَفَاعُلِ النُّفُوسِ الْمُهْتَدَةِ.
لَيْسَ دَوْلَةً، وَلَا هَيْكَلًا رَسْمِيًّا، بَلْ رَابِطَةٌ رُوحَانِيَّةٌ قَائِمَةٌ عَلَى النُّورِ.
مُسْتَقِلٌّ رُوحَانِيًّا — يَكْتَفِي بِاللَّهِ، لَا يَتَسَوَّلُ الِاهْتِمَامَ.
قَائِمٌ عَلَى الرَّحْمَةِ — يَرَى الْآخَرِينَ كَإِخْوَةٍ فِي النُّورِ.
مُسْتَقِيمٌ — ثَابِتٌ فِي تَقَلُّبَاتِ الزَّمَانِ.
صَلَاةُ نُورِ الْمُتَّصِلِ هِيَ مَرْكَبَةُ الْوُصُولِ إِلَى هَذَا الْمَقَامِ.
تَحْمِلُ الْفَرْدَ إِلَى تَيَّارِ نُورٍ يُطَهِّرُ الْفِكْرَ مِنَ الْأَوْهَامِ،
وَتَرْبِطُ الْمُجْتَمَعَ فِي تَرَدُّدَاتِ رَحْمَةٍ وَاحِدَةٍ.
لَا تَحْزَنْ إِذَا شَعَرْتَ بِأَنَّكَ يَتِيمٌ رُوحَانِيًّا.
فَقَدُ الْمُرْشِدِ الْجَسَدِيِّ لَا يَعْنِي فَقْدَ الْهِدَايَةِ الْإِلَٰهِيَّةِ.
السَّالِكُ الَّذِي يُسَلِّمُ نَفْسَهُ لِلَّهِ سَيَرْعَاهُ بِحَقِيقَةِ النُّبُوَّةِ،
فَيَخْرُجُ وَلَدَ نُورٍ، لَا وَلَدَ حَيْرَةٍ.
❖
الْمُخْرَجُ النِّهَائِيُّ لِسُلَّمِ نُورِ الْمُتَّصِلِ هُوَ الْإِنْسَانُ الْكَامِلُ:
نَفْسٌ مُطْمَئِنَّةٌ،
مُجْتَمَعٌ مُتَنَاغِمٌ،
وَعَبْدٌ يَعْرِفُ رَبَّهُ بِذَوْقٍ صَادِقٍ وَإِلْهَامٍ نَقِيٍّ.
أُولَئِكَ هُمُ الْمَهْدِيُّونَ — نُورٌ يَتَّصِلُ بِلَا انْقِطَاعٍ،
مِنْ مَنْبَعِ النُّبُوَّةِ إِلَى أَعْمَاقِ الْقَلْبِ،
يَسِيرُونَ فِي الْأَرْضِ كَرَحْمَةٍ حَيَّةٍ.
"مَنْ وَجَدَ النُّورَ فِي ذَاتِهِ،
لَمْ تَعُدِ الدُّنْيَا سِجْنًا يَجِبُ أَنْ يَهْرُبَ مِنْهُ،
بَلْ صَارَتْ حَدِيقَةَ رَحْمَةٍ يَجِبُ أَنْ يَعْتَنِيَ بِهَا بِخُطًى وَاضِحَةٍ."
❖ ❖ ❖
اقْرَأْ أَيْضًا أَبْوَابًا أُخْرَى:
Tidak ada komentar:
Posting Komentar